محمد حسين علي الصغير

54

الصوت اللغوى في القرآن

بل يكاد يكون ذلك نهائيا ، وكان تصرفه فيها تصرفا رائعا ، صادرا عن عبقرية سبقت الزمن ، فلم يكن ممن جاء بعده من العلماء والباحثين إلا أن اتبعوا نهجه ، واكتفوا بما قال ، ولم يزيدوا بعد سيبويه على ما قال حرفا ، بل أخذوا يرددون عباراته مع كتبهم ، ويصرحون بأنهم إنما يتبعون مذهبه ، سواء في ذلك علماء النحو وعلماء القراءة » « 1 » . وقد يكون في هذا الحكم مبالغة ، ولكنه مقارب للحقيقة في كثير من أبعاده ، إذ كان سبّاقا إلى الموضوع بحق . ومما يجلب الانتباه حقا عند سيبويه في صفات الحروف ومخارجها ، هو تمييزه الدقيق بين صفة الجهر وصفة الهمس فيما أشرنا له في الفصل السابق فمصدر الصوت المجهور يشترك فيه الصدر والفم ، ومصدر الصوت المهموس من الفم وحده ، وبمعنى آخر أن للرئتين عملا ما في صفة الجهر ، بينما ينفرد الفم بصفة الهمس « 2 » . فتعريف المجهور عنده : « حرف أشبع الاعتماد في موضعه ، ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ، ويجري الصوت . بينما المهموس : حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه » « 3 » . وهو يعبر بالموضع هنا عن المخرج فيما يبدو ، ويجري الصوت عن الشيء الإضافي في حالة الجهر عن حالة الهمس التي يجري النفس معها لا الصوت . « وقد ظلت محاولة سيبويه تفسير المجهور والمهموس من الأصوات قانونا سار عليه جميع من جاء بعده من النحاة والقراء . إلى أن جاءت بحوث المحدثين فصدقت كثيرا مما قاله في هذا الباب » « 4 » . ومن المفيد الرجوع إلى ما فسره في هذا المجال أستاذنا المرحوم الدكتور إبراهيم أنيس فقد أشبعها بحثا وتنويرا « 5 » .

--> ( 1 ) عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : 198 . ( 2 ) سيبويه ، الكتاب : 2 / 284 . ( 3 ) المصدر نفسه : 2 / 405 . ( 4 ) عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : 205 . ( 5 ) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 92 وما بعدها .